أبي حيان الأندلسي
27
البحر المحيط في التفسير
وتكرير ، وإما طالبو ظواهر المتشابه : كالمجسمة إذ أثبتوا أنه جسم ، وصورة ذات وجه ، وعين ويد وجنب ورجل وإصبع . وإما متبعو إبداء تأويل وإيضاح معاينة ، كما سأل رجل ابن عباس عن أشياء اختلفت عليه في القرآن ، مما ظاهرها التعارض ، نحو : وَلا يَتَساءَلُونَ « 1 » و أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ * « 2 » وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً « 3 » وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ « 4 » ونحو ذلك . وأجابه ابن عباس بما أزال عنه التعارض ، وإما متبعوه وسائلون عنه سؤال تعنت ، كما جرى لأصيبغ مع عمر ، فضرب عمر رأسه حتى جرى دمه على وجهه . انتهى كلامه ملخصا . ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ علل اتباعهم للمتشابه بعلتين : إحداهما : ابتغاء الفتنة . قال السدي ، وربيع ، ومقاتل ، وابن قتيبة : هي الكفر . وقال مجاهد : الشبهات واللبس . وقال الزجاج : إفساد ذات البين . وقيل : الشبهات التي حاج بها وفد نجران . والعلة الثانية : ابتغاء التأويل . قال ابن عباس : ابتغوا معرفة مدة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : التأويل : التفسير ، نحو سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً « 5 » وقال ابن عبّاس أيضا : طلبوا مرجع أمر المؤمنين ، ومآل كتابهم ودينهم وشريعتهم ، والعاقبة المنتظرة . وقال الزجاج : طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم ، فأعلم تعالى : أن تأويل ذلك ، ووقته يوم يرون ما يوعدون من البعث والعذاب ، يقول الذين نسوه ، أي تركوه : قد جاءت رسل ربنا ، أي : قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل . وقال السدي : أرادوا أن يعلموا عواقب القرآن ، وهو تأويله متى ينسخ منه شيء . وقيل : تأويله طلب كنه حقيقته وعمق معانيه . وقال الفخر الرازي كلاما ملخصه : إن المراد بالتأويل ما ليس في الكتاب دليل عليه ، مثل : متى الساعة ؟ ومقادير الثواب والعقاب لكل مكلف ؟ وقال الزمخشري : الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هم أهل البدع ، فيتبعون ما تشابه منه ، فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ، ويحتمل ما
--> ( 1 ) سورة المؤمنون : 23 / 101 . ( 2 ) سورة الصافات : 37 / 27 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 42 . ( 4 ) سورة الأنعام : 6 / 23 . ( 5 ) سورة الكهف : 18 / 78 .